الاثنين، 10 نوفمبر 2014

المخابرات الأمريكية تفرج عن وثيقة تكشف حقيقة نزاع الصحـراء



وثائق أمريكية يتم الكشف عنها مؤخرا تظهر بشكل واضح أن القوة العظمى التي طالبها الملك، في خطابه أول أمس، بموقف واضح من قضية الصحراء، كانت دائما تؤمن أن المغرب هو الدولة الوحيدة التي تربطها علاقات وثيقة بالصحراء، بل إن الجزائريين، وعلى رأسهم الرئيس الراحل هواري بومدين،
كانوا يعتقدون، حسب ما ورد في حواره مع وزير الخارجية الأمريكي، هنري كيسنجر،  أن الحل يكمن في أن تقسم الأرض بين المغرب وموريتانيا، على اعتبارأنهما الطرفان المعنيان بها، وأن سكانها الرحل الذين لا يتجاوز عددهم الثلاثين ألفا يعيش قسمهم الأكبر بين المنطقة والمغرب.
        بعد مضي قرابة أربعة عقود على تنظيم المغرب للمسيرة الخضراء لاسترجع جنوبه، وتحوّل عملية تحرير الأرض من الاحتلال الاسباني إلى حرب مع الجارة الشرقية الجزائر دامت قرابة 15 سنة قبل أن يُعلن وقف إطلاق النار؛ تراكمت طبقات سميكة من التطورات والاقتراحات والمفاوضات حول هذا الملف القنبلة، لدرجة أصبح معها المغرب مضطرا إلى خوض المواجهة على جبهات
تبتعد أكثر فأكثر عن أصل الملف وجوهره: توسيع صلاحيات بعثة المينورسو تارة، واستغلال الثروات الطبيعية لإقليم الصحراء المتنازع عليه تارة أخرى، ثم ملف حقوق الإنسان وكيفية التعامل مع جيش من انفصاليي الداخل المصرّين على التنقل بين معسكرات التخطيط ضد مصالح المغرب وبين مدن الصحراء. 
تراكمات تجعل البعض، خاصة منهم الأجيال اللاحقة لحدث المسيرة الخضراء، أمام متاهة يضيع معها جوهر الملف وحقيقته. الوثائق السرية التي كشفت عنها مؤخرا الإدارة الأمريكية بعد خروجها من نطاق السرية، تحمل إضاءات مهمّة حول حقيقة الصراع وأصله. ويتعلّق الأمر بوثيقة أعدّتها مصالح وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في العام 1974، بشكل مفصّل ودقيق. الوثيقة عبارة عن مرجع أعدته مصالح الوكالة الاستخباراتية المتطوّرة، ورفعته إلى إدارة الرئيس الأمريكي. 
أهمية الوثيقة تكمن في تاريخ إعدادها، أي في مرحلة كانت الولايات المتحدة الأمريكية شديدة التمسّك بموقف الحياد في ملف الصحراء، مبرّرة ذلك بغياب أية مصالح يمكن أن تدفعها إلى اتخاذ موقف، ورغبتها الكبيرة في عدم تأثير هذا الملف على علاقاتها مع الدول المعنية به، خاصة إسبانيا والمغرب والجزائر. كما تتضمّن الوثيقة وصفا دقيقا يكاد يكون علميا لأصول وجذور المشكل، ويكشف حقيقة الوضع الديمغرافي للصحراء وعلاقة السكان بدول المنطقة والأسباب الحقيقية لموقف كل دولة من الدول المعنية بالموضوع. الوثيقة تكشف بكل اختصار معرفة الأمريكيين الكاملة كون الأمر يتعلّق بصراع مغربي جزائري، وتقرّ بكون الجارة الشرقية للمغرب استعملت الموضوع لمعاداة استقرار المغرب ولكونها تعتنق فكرة اعتبار دول الجوار مشاريع خصوم يجب محاربتهم بشكل دائم.
صحراء لم ترتبط تاريخيا إلا بالمغرب
تبدأ الوثيقة التي سهرت على إعدادها مصالح المخابرات المكلفة بمنطقة الشرق الأوسط داخل وكالة المخابرات المركزية، بتوصيف عام، يقول إن إسبانيا دخلت في خلاف مع ثلاث دول إفريقية حول مستقبل الصحراء، إلا أنها ترغب فعلا في التوصل إلى اتفاق يرضي الدول الأربعة، أي اسبانيا والمغرب وموريتانيا والجزائر، ذلك أن انسحابها من الإقليم قد يتسبب في اضطراب المنطقة. وتعلن الوثيقة منذ البداية أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تتوفر على أية مصالح ذات أهمية في هذا الإقليم، حتى تتحدد المواقف الأمريكية بناء على تلك المصالح، وبالتالي فإن «انشغالها الرئيسي هو منع تسبّب المسألة في زعزعة استقرارالمنطقة». وباعتبارهاإحدىآخرالمستعمراتالأوربية في إفريقيا، كانت الصحراء، حسب الوثيقة الأمريكية، موضوعا لخطابات مطولة داخل الأمم المتحدة، فيما تسبّب إعلان البرتغال قرارها منح الاستقلال لمستعمراتهاالإفريقية، في تصعيد المغرب في مطالبته بالصحراء وممارسته ضغوطا كبيرة على إسبانيا كي تنسحب من مستعمرتها الأخيرة. فيما تضيف الوثيقة أن إعلان مدريد اعتزامها تنظيم استفتاء حول تقرير مصير الصحراء قبل انسحابها، سيجرّ محاولات من جانب الدول الأربعة المعنية من أجل التأثير في نتيجة الاستفتاء.
ويعود أول اتصال لإسبانيا بالصحراء، تقول المذكرة الأمريكية، إلى العام 1476، لكنها لن تبدي اهتماما حقيقيا بها إلا في القرن 19، حيث أعلنت في مؤتمر برلين عام 1885، وبشكل أحادي، فرض حمايتها على المنطقة الساحلية لـ»كابو بوخادور» و»كابو بلنكو»، وتسييرها إداريا انطلاقا من جزر الخالدات. فيما تعود الحدود الحالية للصحراء إلى مفاوضات طويلة بين إسبانيا وفرنسا، وتوقيعهما عدة اتفاقيات بين 1900  و1912، دون أن تراعي تلك الاتفاقيات عامل الوحدة التاريخية والإثنية في رسم تلك الحدود. في سنة 1958، أعلنت إسبانيا إقليم الصحراء محافظة خارجية تابعة لها، بعد الهجمات المتكررة لبعض القبائل عليها من داخل المغرب الذي حصل حديثا على استقلاله. وتضيف الوثيقة أن مدريد منحت تمثيلية محدودة لسكان الاقليم داخل برلمانها، في مقابل تركيزها جل السلطات في يد الحاكم العام الاسباني. وواكبت اسبانيا هذا التحول الإداري لوضع الصحراء، باستثمارات وصفتها الوثيقة بالمكثفة في السنوات العشر الأخيرة (أي بين 1964 و1974)، وهمّت هذه الاستثمارات أساسا مجال الفوسفاط وبعض البنيات الاجتماعية من قبيل السكن والمدارس…كما أحدثت إسبانيا ما أسمته بـ»الجماعة» وهي هيئة مكونة من 45 شيخ قبيلة و40 منتخبا، باعتبارهم هيئة استشارية بشأن تنمية الصحراء. هيئة تقول الوثيقة الأمريكية إنها تصرّ على البقاء تحت سلطة إسبانيا وترفض فكرة تقرير المصير.
 المذكّرة المخابراتية الأمريكية، توضّح أن المغرب طالب إسبانيا بتسليمه جميع مستعمراتها الموجودة في شمال إفريقيا باعتبارها جزءا من ترابه. وأدرجت الوثيقة الأمريكية التطورات اللاحقة في إطار هذه المطالب المغربية، حيث انسحبت مدريد من المنطقة الشمالية للمغرب، ثم أتبعتها بالانسحاب من طرفاية وسيدي إفني. وتؤكد المذكرة الأمريكية أن المغرب يؤسس مطالبه بخصوص الصحراء على الوضع السابق للحماية، «حيث مارس الحكام المغاربة درجات متفاوتة من المراقبة على أجزاء كبيرة من الصحراء الغربية». وتضيف الوثيقة نفسها أن المغرب قام في الفترة ما بين القرنين 10 و17، باختراقات متوالية لكل من الصحراء «الإسبانية» وموريتانيا وجنوب غرب الجزائر وفي فترة قصيرة شمال مالي. وتضيف وكالة المخابرات المركزية أن سكان هذه المنطقة الشاسعة قبلوا تاريخيا بالسلطة الدينية لسلطان المغرب. قبائل نصفها يستقر شمال المغرب .
وعن الوضع الديمغرافي للصحراء لحظة النزاع بين المغرب واسبانيا حولها، تقول الوثيقة الأمريكية إنه وباستثناء بعض الأوربيين وعدد قليل من السكان المحلّيين المستقرّين في المدن، فإن جل ساكنة الصحراء من الرحّل. «وهناك شعور ضعيف بالانتماء الوطني إلى كيان سياسي خاصة بالصحراء الإسبانية. وبصفة عامة، فإن مفهوم الشرعية لدى جلّ الرحّل الأميين يقف عند حدود القبيلة التي ينتمون إليها. فالرحّالة يعتبر أن مهمة أي سلطة مركزية هي جمع الضرائب عن بعد وبالتالي لا يمثّل أي أهمية أو تأثير على حياته التقليدية».
وقدّرت الوثيقة المخابراتية الأمريكية عدد سكان الصحراء يومها بحوالي 60 ألف، 17 ألف منهم إسبان. وبحكم تنقّلهم الدائم، قالت الوثيقة إن عدد السكان المحليين يبقى تقريبيا.
تحدّد الوثيقة الأمريكية هوية سكان الصحراء بالقول إنهم خليط من العرب والأمازيغ والأفارقة. أما التوزيع القبلي، فلخّصته الوثيقة الأمريكية في ثلاث مكوّنات أساسية، أولها مكوّن الركيبات، مرجّحة أن يكون الأقوى ضمن مكوّنات الصحراء. وهم حسب الوثيقة دائما يتنقلون في منطقة شاسعة، تمتد من جنوب المغرب إلى موريتانيا مرورا بالصحراء «الاسبانية» والجزائر. وبعد تأكيدها السعي الدائم لمختلف القوى المحيطة بهم للحصول على ولائهم باعتبارهم يحسنون حمل السلاح والقتال، أكدت الوثيقة أن كلا من ألمانيا وإسبانيا ساعدا المغرب كليا في تسليح هذه القبائل لمحاربة فرنسا وإيقاف مدّها الاستعماري في المنطقة. وهو ما يتضمّن إقرارا ضمنيا بمرور كل من ألمانيا واسبانيا عبر المغرب للوصول إلى الركيبات.
ثاني المكونات القبلية للصحراء
حسب الوثيقة، هو قبائل «التكنة». وهو المكوّن الذي قالت إنه قد يكون الأهم من الناحية العددية، لكنّهم يتّسمون بمزاج مسالم عكس نظرائهم الركيبات. كما أوضحت الوثيقة أن هذا المكون القبلي يتوزّع بين شمال الصحراء الخاضعة لإسبانيا وجنوب المغرب. بل إن جزءا كبيرا من هؤلاء القبائل يقضون قسما من السنة خلف الحدود الاستعمارية الإسبانية، أي داخل العمق المغربي، «ولهذا يعتمد المغرب كثيرا على هذه القبائل في معرفة حقيقة ما يجري داخل الصحراء». وبفعل مساعدتهم العسكرية للمغرب في حروب قبائله الجنوبية مع إسبانيا، تقول الوثيقة إن كثيرا منهم بقي في الداخل المغربي واستقر فيه خوفا من انتقام اسبانيا.

أما المكوّن الديمغرافي الثالث
للصحراء، حسب الوثيقة الأمريكية، فهو قبائل «أولاد دليم». هذه الأخيرة تستقرّ في الجزء الجنوبي من الصحراء. وفيما تعرّضوا إلى «التعريب» بشكل كبير، تقول الوثيقة إن «أولاد دليم» يبقون أقل عدديا من خصومهم «الركيبات». كما تعيش هذه القبائل أساسا في الشريط الحدودي مع موريتانيا.
المشكلة في الجزائر
بخصوص طبيعة الصراع وأسبابه،
تقول المخابرات الأمريكية إن إسبانيا تحرص على المصالح التي خلّفتها في الصحراء، وتريد ضمان استردادها أو حمايتها بعد انسحابها. وتتمثل هذه المصالح أساسا في نحو 200 مليون دولار من الاستثمارات، خاصة في مجال الفوسفاط، علاوة على أهمية سواحل الصحراء من حيث الصيد البحري. وتضيف الوثيقة أن الحسن الثاني وبمجرّد علمه بقرار الجنرال فرانكو الانسحاب من الصحراء وتنظيم استفتاء لتقرير مصيرها، قام بردّ فعل فوري وراسل فرانكو محذرا إياه من تدهور خطير في العلاقات، بل إن المغرب أقدم فورا على بعث تعزيزات عسكرية تناهز رُبع تعداد قواته إلى الجبهة الجنوبية، وقام بتعبئة القوات الاحتياطية، كما بعث الحسن الثاني فيالق عسكرية إلى محيط مدينتي سبتة ومليلية، للضغط على فرانكو ومنعه من المناورة بمستقبل الصحراء. الحسن الثاني اشترط الانسحاب الكامل لإسبانيا من الصحراء قبل تنظيم أي استفتاء، أي إخضاعه لإدارة دولية، وهدّد برفض العملية في حال تضمّن الاستفتاء سؤال الاستقلال، كما أصرّ على ضرورة منح 20 إلى 25 ألف صحراوي يعيشون داخل المغرب حق التصويت في أي استفتاء حول مستقبل الصحراء.
وفي انتقالها التدريجي نحو باقي الأطراف المعنية بنزاع الصحراء، توجّهت الوثيقة الأمريكية نحو خلاصة مفادها أن الصراع الأساسي يدور بين المغرب والجزائر، حيث قالت إن المطالب الموريتانية في الإقليم هي مجرّد امتداد للتوجّس التاريخي لموريتانيا من مشروع «المغرب الكبير»، خاصة أنها لم تحصل على اعتراف الرباط باستقلالها إلا بصعوبة. موريتانيا، حسب الوثيقة الأمريكية، كانت تريد تجنّب حدود مشتركة بينها وبين المغرب، وتخشى عدم توقّف المطالب المغربية بعد ضمّ المملكة للصحراء، وامتدادها لتشمل أجزاء أخرى من موريتانيا. «دولة عازلة، سواء تحت السيدة الإسبانية أو مستقلة، ستخدم أكثر المصالح الموريتانية».
الشق الخاص بالجزائر كان طويلا، وبدأته الوثيقة بالقول إن الجزائر ليست لها مطالب ترابية في الصحراء، لكنها تصرّ دائما على أنها طرف معني بالملف لاعتبارات سياسية وأمنية. «حقيقة المواقف الجزائرية شديدة التعقيد، والصحراء الاسبانية ما هي إلا واحد من أوجه مشاكل كبيرة في علاقاتها مع المغرب واستقرار المغرب العربي. فالذهنية الجزائرية المتشككة تعتبر كلّ جار لها بمثابة عدوّ محتمل، خاصة المغرب ذو النظام السياسي والايديولوجيا المناقضة تماما للنظام الجزائري. فجوار مغرب موحّد كان يطمح في السابق في ضم جزء من الجزائر وذكريات حرب الحدود سنة 1963 كل ذلك يصعب قبوله». وتوضّح الوثيقة أن امتناع المغرب
عن المصادقة على اتفاق ترسيم الحدود يفسّر التحركات الجزائرية. وصمت الرئيس هواري بومدين أمام التحركات المكثفة للمغرب لاسترجاع الصحراء، لا يعني حسب الوثيقة أن الجزائر تسمح بتحقيق ذلك، بل فقط لانشغالات أخرى لبودمين في تلك الفترة مع منظمة
الدول المصدرة للنفط وتعقيدات العلاقات العربية والصراع في الشرق الأوسط. «الجزئر لا ترغب في رؤية المغرب يمدد مجال سيادته. فهي تتوفر على مخزونات هامة من معدن الحديد في منطقة تندوف بالقرب من الحدود مع الصحراء الاسبانية، وقد ترغب في تصديره عن طريق الصحراء». ونقلت الوثيقة عن مسؤول جزائري كبير، قوله إن الحل الأمثل سيكون هو تنظيم استفتاء يفضي إلى استقلال الصحراء.
لقاء موثّق بين الرئيس بومدين ووزير الخارجية الأمريكي كيسنجر ـ الجزائرالعاصمة، 14 أكتوبر1974
 بومدين: ما هي رؤيتك لمشكل الصحراء؟
 كيسنجر: الصحراء الإسبانية
 بومدين: المغاربة يعتزمون إنهاء ذلك
 كيسنجر: والإسبان أيضا، هل تريد رأيي بصدق؟
 بومدين: نعم بصراحة
 كيسنجر: أتمنى أن يذهب الأمر أبعد (يقصد من تقرير المصير)، لا تعجبني فكرة اللجوء إلى 40 ألف شخص ربما لا يعلمون أنهم يوجدون في الصحراء الإسبانية. لا أريدك أن تعتقد أنني أسخر، فنحن لا نتوفّر على أية مصلحة في وجود إسبانيا هناك، ليس منطقيا أن توجد إسبانيا في إفريقيا.
… كيسنجر: على المدى البعيد، ولنترك موضوع الصحراء جانبا، هل ستصبح الجزائر قوة مهيمنة في المنطقة المغاربية؟
بومدين: في الحقيقة، ولابد أنكم تعرفون ذلك، ليس لدينا طموحات مماثلة. ولو كانت موجودة لعبّرنا عن ذلك أمام الجزائريين. نحن حريصون على حماية وحدة شعبنا. لدينا اتفاقات مع المغرب بما فيها تلك الخاصة بمنطقة الغاز، وبالتالي فالمغرب يحتاج دعمنا،
وموريتانيا أيضا. في حديثي مع الملك الحسن الثاني، قلت له لا تطلب مني اتخاذ موقف لا أخلاقي. هناك اتفاق بين المغرب وموريتانيا، والمغرب يقول في العلن إن هذا الإقليم مغربي.. الجميع يعلم أن هناك اتفاقا مع الرئيس ولد دادة، بل إن ذلك تردد
حتى في الصحافة الأمريكية، ولا أعرف كيف حصلت على هذه المعلومة.
 كيسنجر: وهل هذا صحيح؟
 بومدين: نعم
 كيسنجر: الأرض مغربية موريتانية إذن
 بومدين: ونحن لا نريد منفذا، نسعى إلى استغلال مشترك لمخزونات مناجم الحديد، لكننا لا نريد أن يصبح ذلك موضوعا للصراع.
 كيسنجر: وكيف يمكنكم استغلال المناجم إن لم تكن داخل ترابكم؟
 بومدين: المناجم تقع داخل التراب الجزائري
 كيسنجر: لن نتخذ أي موقف، أم سيكون علينا ذلك؟ ليست لدينا أية مصالح أمريكية هنا
 بومدين: الإسبان هم أصدقاؤنا، وبالتالي فالمشكل بين المغرب وموريتانيا، وليس مع اسبانيا، هذا للتاريخ. الخلاف يدور بين المغرب وموريتانيا هو الذي يؤخر التوصّل إلى اتفاق نهائي، والسكان هم من يجب أن يقرّر.
 كيسنجر: وهل يعرفون أصلا ما الذي ستتم استشارتهم حوله؟
بومدين: بعض السكان هم مغاربة، وبعضهم الآخر موريتانيون، وقليل منهم رحّل. يوجد البعض منهم داخل الجزائر، لكن ذلك لا يمنحنا أية حقوق.
 كيسنجر: هل يمكن تقسيم الاقليم بين المغرب وموريتانيا؟
بومدين: أعتقد أن الأمور تتطوّر في اتجاه التقسيم


السبت، 8 نوفمبر 2014

Il n’ y a pas de cinéma marocain mais des films marocains


_ Écrit par  Karim Abdelkader

Partant des différentes observations sur le terrain et des discussions et rencontres qu'il a pu avoir avec quelques responsables et professionnels du cinéma, Karim Abdelkader propose quelques éclairages sur les jeux et les enjeux du cinéma marocain. Il le fait sous forme de lettre ouverte à Sarim Fassi Fihri, nouveau directeur du Centre cinématographique marocain (CCM).
Tout le monde parle avec extase de l’envol et de la dynamique de ce cinéma en désignant le nombre de films produits par an ces derniers temps  qui sont passés de 2 ou 3 films dans les années 80 à 25 films aujourd’hui. Nous ne pouvons qu’être satisfaits de cette progression mais nous nous apercevons vite des contraintes énormes qui refroidissent cette euphorie.
En premier lieu, les endroits de diffusion à savoir les salles de cinéma qui naturellement devraient fleurir pour accueillir ce nombre croissant de films produits. Voyons l’état des lieux de ces salles.
En 1956, le pays comptait 156 salles, en 1971, 244 salles, en 1985, 247 salles et en 2014 seulement 31 salles avec 57 écrans.  La carte géographique des salles à travers le pays se réduit au fil du temps. Actuellement, il n’y a que 10 villes marocaines qui en possèdent. Il s’agit d’Agadir, Casablanca,  Fès, Marrakech, Méknès, Oujda, Rabat, Salé, Tanger et Tétouan. Sachant que la situation de quelques salles sont précaires et risquent de fermer leurs portes si ce n’est déjà fait comme le cinéma Royal, l’unique salle restante d’Oujda. Elle est dans un état catastrophique. Aussi les villes d’Agadir et de Salé qui contiennent chacune seulement une salle. Ce sont là les dernières qui sont sous perfusion et qui subissent lentement et tristement l’usure du temps.
Le coupable premier désigné à la vindicte populaire est le piratage des DVD. Mais dans quelle mesure cela est véridique ?
Je répétais toujours une formule favorite à tous mes interlocuteurs en leur disant qu’en Chine dix salles s’ouvrent chaque jour et au Maroc dix salles disparaissent chaque jour.         
Pourquoi la chine me dit-on ? Nous ne pouvons se comparer qu’aux pays qui sont mieux lotis. Et pourtant la chine est le paradis des DVD piratés, subit la crise économique, le ticket de ciné est à 4 euros en moyenne (40 DH) beaucoup plus cher qu’un DVD piraté. Sans oublier une censure très sévère imposée aux films. Mais le fleurissement des salles, le soutien de l’Etat pour les films chinois, le quota imposé aux films étrangers (une cinquantaine par an) et l’adhésion du public chinois pour les films nationaux ont redynamisé fortement le secteur cinématographique. A tel point que les chiffres officiels en promettaient treize mille écrans en 2013.
A l’image de la Chine, on aurait pu sauver les salles en optant pour le développement du secteur une politique globale et non fractionnaire. En l’absence des salles, ce sont les festivals de cinéma qui poussent comme des champignons partout au pays de telle façon qu’on peut dire que chaque ville a son festival. Ce n’est donc pas étonnant de constater qu’actuellement  il y a plus de festival de cinéma ((51 festivals entre long-métrages, courts-métrages et documentaires) que de salles.
Les conséquences sont non négligeables sur l’exploitation des films marocains.

Un cinéma tourné presque exclusivement vers la production
Le premier film national du box office au Maroc ne fait pas plus de 97 000 de recettes (du 01/01 au 30/09/2014), plus exactement 96 399 de recettes. Il s’agit du film « Derrière les portes fermées » de Mohamed Ahed Bensouda. Alors qu’en France le film « Lucy » de Luc Besson caracole au box-office avec plus de 5,1 millions d'entrées, depuis sa sortie le 14 août 2014. Il s'agit du troisième succès de l'année, derrière les deux autres films français «  Qu'est-ce qu'on a fait au Bon Dieu? » de Philippe De Chauveron, plus de 12 millions d'entrées et « Supercondriaque » de Dany Boon, avec plus de 5 millions d’entrées.
Le film marocain ne souffre pas de manque de qualité et pas non plus de l’engouement public.
C’est bel et bien un problème de choix. Le manque des lieux de diffusion réduit par conséquent le nombre de spectateurs. Car les efforts étaient déployés presque entièrement sur la production pour augmenter le nombre de films produits sans se soucier réellement de la diffusion, de la distribution à l’intérieur et à l’extérieur du pays et de la commercialisation de ces films.
Il est navrant de voir l’itinéraire du film marocain  limité à quelques salles dans les grandes villes comme Casablanca, Rabat, Marrakech et Tanger et quelques festivals à l’étranger et finir à la TV et au DVD piraté. Des chaînes de télévision qui ne font pas assez pour encourager la production nationale. Que je sois au Maroc ou à l’étranger je me branche sur une chaîne marocaine pour voir un programme du pays, je suis pris de vertige en voyant des visages mexicains ou turcs qui parlent en dialecte marocain dans ces séries mexicaines, turques et autres. Une télé sans identité est une télé poubelle.
Même les cinés –clubs ne trouvent pas de salles pour projeter leurs films à leurs adhérents.
A cet égard, je remémore une scène du film documentaire « Ouarzazate Movies » d’Ali Essafi dans laquelle les responsables d’un Ciné club de la Casbah de Ouarzazate ne trouvent pas de salle pour projeter leur film. Les deux salles existantes dans la ville Cinéma Sahara et Atlas sont fermés et sont à vendre. Les adhérents du club suivent froidement leur film dans une télévision.

Créer un grand sursaut
Il est souhaitable de mettre en place une politique d’aide et d’accompagnement pour la restauration et la création des salles, initier et encourager l’éducation artistique, élargir l’exploitation du film marocain, trouver des marchés en Europe et ailleurs. Aussi avoir
une politique claire, volontariste, ambitieuse et courageuse qui nécessite la contribution de tous Etat, responsables, professionnels, cinéphiles, chercheurs...
La richesse de la culture millénaire marocaine ne rayonne pas assez au niveau national et international.
En attendant ce grand sursaut je ne peux  parler actuellement d’un cinéma marocain mais des films marocains.

Abdelkader Karim, Chercheur et réalisateur




الثلاثاء، 4 نوفمبر 2014

اتحاد كتاب المغرب يقدم تصوره لإصلاح منظومة التربية والتكوين لوزير التربية الوطنية


         في إطار سلسلة اللقاءات التواصلية مع السادة الوزراء، اجتمع، بتاريخ 3 نونبر 2014، رئيس اتحاد كتاب المغرب، عبد الرحيم العلام، وعضو المكتب التنفيذي، عبد المجيد شكير، بوزير التربية الوطنية، السيد رشيد بلمختار، بحضور الكاتب العام للوزارة، السيد يوسف القاسمي.
        في بداية هذا الاجتماع، قدم رئيس الاتحاد للسيد وزير التربية الوطنية وثيقة، تشتمل على تصور اتحاد كتاب المغرب لإصلاح منظومة التربية والتكوين ببلادنا، كما عرض على أنظار سيادته مذكرة عمل، تتضمن بعض مقترحات الاتحاد، التي تهم دعم "المناظرة الوطنية حول الثقافة المغربية"، وبعض المشاريع المشتركة بين الاتحاد والوزارة، منها إحياء "ربيع المؤسسات التعليمية"، وتنظيم لقاءات مفتوحة لتلاميذ المؤسسات التعليمية مع كتاب ومبدعين مغاربة ، حول تجاربهم مع الكتابة والإبداع، وحول قضايا المسرح والسينما والتشكيل والتشجيع على القراءة ومفهوم المكتبة، فضلا عن تنظيم ورشات الكتابة والإبداع لفائدة تلاميذ المؤسسات التعليمية، ومشروع الكتابة للأطفال، عبر نشر كتيبات ينجزها أعضاء الاتحاد، بدعم من وزارة التربية الوطنية، وكذا تنظيم ندوات مشتركة، في مواضيع ذات الاهتمام المشترك : "تدريس اللغات في المؤسسات التعليمية : نحو بيداغوجا جديدة"، و"تدريس الأدب في المؤسسات التعليمية: نحو منهجية إجرائية"، و"القيم والمدرسة المغربية".
         إلى جانب ذلك، عرض الاتحاد على السيد الوزير بعض المقترحات الموازية، من قبيل تزويد المكتبات المدرسية بإصدارات أعضاء اتحاد كتاب المغرب، وتقوية حضور الأدب المغربي الحديث في المقررات الدراسية، واعتبار عضوية اتحاد كتاب المغرب في اللجنة المكلفة باقتراح نصوص من الأدب المغربي في المقررات الدراسية، وإطلاق أسماء بعض المفكرين والكتاب والأدباء والفنانين المغاربة الراحلين على بعض المؤسسات التعليمية ، عدا المطالبة بتقديم الوزارة لتسهيلات لفائدة أعضاء الاتحاد، من هيئة التدريس، قصد التمكن من السفر إلى خارج المملكة، لتمثيل الاتحاد في اللقاءات الثقافية ، والمشاركة في الندوات الأدبية والعلمية.
وفي نهاية اللقاء، قدم رئيس الاتحاد للسيد الوزير بعض منشورات الاتحاد، كهدية رمزية باسم المنظمة.

المكتب التنفيذي

الاثنين، 3 نوفمبر 2014

لماذا يقتلون الشعراء؟! أبجدياتُ الحُلم، وأبجدياتُ الواقع..

فاطمة ناعوت - كاتبةٌ صحفية وشاعرة ومترجمة مصرية

هنا نفهم، لماذا تجرّع سقراط السمَّ، ولماذا كاد جاليلو أن يُقتل، لولا أن كذب، ولماذا ارتعب ديكارت وخبأ كتابه "العالم" تحت السرير، ولم ير النور إلا بعد موته، ولماذا نُفي ابن رشد، ولماذا صُلب الحلاج، وأُحرق السهروردي ونُحر الجعد بن الدرهم. هنا ندرك لماذا دائمًا تمتلئ الصلبانُ والمقاصلُ والمشانق والسجونُ بالعلماء والشعراء والمفكرين والفلاسفة، على مرّ الزمان. الأجابة ببساطة: لأن الناس يقرأون أفكارَهم وأحلامَهم، بأبجديات خاطئة لا تناسب أبجديات: "الحلم”.
أحسَبُ أن أفضلَ ما يلخّص الفكرةَ التي أودُّ طرحَها هنا، عبارةٌ عميقة الدلالة قالها الأيرلندي الساخر برنارد شو، في صوغ فانتازيّ:  “أنت ترى الأشياءَ الموجودة، وتسأل: ’لماذا؟‘، أما أنا فأحلُم بأشياءَ غير موجودة، ثم أتساءل: ’ولمَ لا؟!‘”
         في تلك العبارة الصغيرة تكمن أزمةُ كلّ مبدع، ويدور سؤالُه الوجودي. كلُّ المبدعين راحوا فريسة هذا السؤال الصعب: "هل يمكن أن يكون العالمُ أجملَ؟ هل بوسعنا تغيير شيء من أبجدياته؟! هل بوسعنا "اختراع" أبجديات جديدة تناسب طموحنا وجنوننا؟ كل مبدع حقيقي، رسامًا كان أو شاعرًا أو موسيقيًّا، وكل مفكر أو فيلسوف، وكل رحالة اكتشف أراضي جديدة غير مأهولة، وكل عالِم اخترع شيئًا خارقًا، وكل كيميائي ابتكر دواء أو مصلا، وكل فيزيائي استحدث نظرية أو قانونًا، لابد غزا رأسَه ذلك السؤالُ. لهذا يُنظرُ في أحايين كثيرة للمبدع والعالِم نظرةَ المجنون المنشقّ عن الطريق الجمعي. لماذا؟ لأنه يتحرك في مساحة منزاحة قليلاً عن المساحة المألوفة المأهولة بالسكان. إنها مساحة "الحُلم".
       ولأنه لا يجوز أن نُجري عملية جراحية، بأدوات المهندس المعماري، كما لا يصحُّ أن نُشيّد بنايةً بمباضع جراح، أودُّ أن نختبر معًا إن كان يليق أن نحاكم "قطعة أدبية"، بالأدوات النقدية والقوانين التي تحكم، وتحاكم، المقالَ الصحفي أو البحثَ العلمي أو القولَ الدارج اليوميّ. أقصرُ كلامي هنا على "الجملة الأدبية"، لأن للأدباء والفنانين، في تقديري، السبقَ في طرح السؤال الوجودي الأكبر: “ولمَ لا؟!”، الذي فجّره شو.
      الأديب، مشغولٌ باستحداث أبجديات غير موجودة ترسم العالم "الطوباوي" الذي يتمناه، وتترائى أمام عينيه صورٌ شعرية "حُلمية"، غير مرئية للعامة. لهذا قال "نزار قباني": “إن لم تستطع أن تأتي بشيء مدهش، فإياك والتحرش بالورق الأبيض.” ترجمة ما سبق؛ "شيء مدهش": يعني خيالات افتراضية لم تخطر على بال بشر، وصياغات طازجة لم تُقل من قبل. (لا تصدقوا عنترة بن شداد حين قال: "وهل ترك الشعراءُ من متردّم؟!” أي: لم يترك الأقدمون شيئا للاحقين. بل نعم، تركوا يا عمّ عنترة! ولا نهاية مطلقًا للطازج من القول والفكر والخيال؛ وتلك عبقرية العقل البشري المذهل). أما “التحرش بالورق الأبيض"، فيعني: تكرار ما قيل من قبل وتقليد الأسبقين وإعادة إنتاج ما أُنتج. وهو بالفعل، كما قال نزار، لونٌ من "التحرش" والصفاقة! كأنما نحاول من جديد اختراع العجلة التي اخترعها أجدادنا الأوروبيون من السلف الصالح مع نهايات القرن الثامن عشر، رغم أن الرسام العبقري ليوناردو داڤنشي قد رسم أول تصميم لها عام ١٤٩٣، لكن أحدًا لم يلتفت إليها آنذاك.
       الفكرة باختصار هي محاولة "الوثب خارج الصندوق الجمعي". محاولة النظر إلى الوراء بغضب، بعدما نقول له: "شكرًا قد ألهمتنا، وسنحاول أن نأتي بالجديد، كما أتيتَ أنت بالجديد في عصرك". ليس في هذا إشارةٌ لقتل التراث، بل استلهامه، ثم الانزياح عنه، لنرسم الجديد. 
لماذا أقصر كلامي هنا على "الجملة الأدبية"؟ لأنني أؤمن أن الأدباء، والفنانين بشكل عام، يسبقون العلماءَ في "الحُلم". فرغم أنني آتية من حقل دراسة علمية (الهندسة) إلا أنني لا أزعم الحياد، وآخذ مقعدي "المتحيّز" للفنون والآداب عن العلوم. لهذا أؤمن بمقولة آينشتين: “الخيال، أقوى من المعرفة". فهذا الجهاز المذهل في عقل الإنسان، المسمّى "المخيال"، هو الذي يدفع الإنسانَ إلى الحلم بالمجهول (الذي ليس موجودًا )، و"بعدئذ"، يجلس العالمُ الباحثُ المخترع إلى كتبه وموسوعاته ومعمله وأدواته لكي يأخذ جرعة من "المعرفة"، تمكنه من تنفيذ ذلك المجهول وتحويله إلى (شيء موجود ).
       الأمثلة على ما سبق لا حصر لها، وينوء مقالي هذا بحصرها. أوردتُ قبل برهة مثال ليوناردو داڤنشي والدراجة، كذلك نتذكر معًا الآخوين رايت والطائرة، كما نتذكر أن "أوليڤر تويست" لـ تشارلز ديكنز قد أجبرت التشريعَ البريطاني على الاهتمام بحال أطفال الشوارع والمشردين وإصلاح أحوال الملاجئ والإصلاحيات والسجون، مثلما أجبر ڤيكتور إيجو دولةَ فرنسا، عبر رواية "البؤساء"، على مكافحة الجوع والفقر والبطالة والتسوّل ومراعاة الدافع وراء الجريمة الأولى. فالذي يسرق رغيفًا لكيلا يموت جوعًا، يقع عبءُ جريمته على الدولة التي لم توفر له الرغيف. كذلك غيّرت الأمريكية "هارييت بتشر ستو" تاريخَ أمريكا بروايتها "كوخ العم توم" وأنهت بها حقبةَ الاسترقاق والعبودية وبيع الملونين كالحيوانات. وغير ذلك مئات الأمثلة التي تعزّز فكرة أن الأدباء والفنانين والفلاسفة هم القادرون على أن "يثقبوا" كوّة في جدار المجهول، لكي يستحدثوا "ما ليس موجودًا"،، كما قال برنارد شو في جملته الفذّة، ثم يتبعهم العلماءُ والمشرّعون والساسة، لكي” ينفذوا” هذا الحلم المجهول، أو ذاك. "ثورو" يحلم، و"غاندي" ينفّذ الحلم. "ستو" تحلم، و"لنكولن" ينفذ الحلم. "داڤنشي" يحلم ويرسم، ثم يجيء الكونت "دي سيفراك" بعده بقرون ثلاثة ليحقق الحلم.
       هنا يبرز سؤال جديد: ما هي أدوات الأديب أو الفنان التي يكتب بها "حُلمه" المجهول، أو يرسمه؟ علينا الانتباه، نحن بصدد كتابة "حلم"، فهل بوسع إنسان أن يكتب "الحلم" بمفردات اللغة اليومية العادية وصياغاتها؟ الموسيقيون يكتبون مقطوعاتهم على على أوراق مستطيلة بيضاء تقطعها خمسة خطوط متوازية، تعقبها خمسة خطوط أخر. تُرسم على كل منها نغماتٌ تبدأ بطيئة وتأخذ في التسارع من روند إلى بلانش إلى نوار إلى كروش إلى دوبل كروش إلى تريپل كروش إلى آخر النغمات الخاطفة وأسرعها. وهو هنا مجبرٌ على ابتكار لوحة موسيقية جديدة، لم تُسمَع من قبل، باستخدام تلك الأبجدية الموسيقية ذاتها التي يستخدمها كل الموسيقيين في كل العالم وعبر كل العصور. لو كرّر ما سبقه، فهو "يتحرش" بالسلم الموسيقي! كذلك الرسام. يستخدم باليت اللون والفرشاة ليحوّل الفضاء الأبيض على لوحته إلى حياة وشجر وعصافير وبراكين وشموس وأقمار. لكنه كذلك مجبرٌ على "ابتكار" لوحة تشكيلية جديدة، لم تُرسم من قبل، باستخدام تلك الأبجدية اللونية نفسها التي استخدمها الرسامون كافة في كل أرجاء العالم وعبر كل الأزمنة. ولابد أن يأتي بجديد وإلا كان مكررًا باهتًا مقلّدًا “متحرّشًا”. فماذا بوسع الأديب إذن أن يصنع بثمانية وعشرين حرفًا تضمها الأبجديةُ العربية؟! الشيء نفسه. عليه نحتُ صيغ أدبية ترسم أفكاره وأحلامه المستحيلة، وتنهل من المجهول الحُلميّ الذي يخايله في صحوه وفي نومه. وعليه أن ينتبه ألا يقع في خطيئة التحرش بالورق الأبيض!
والسؤال هو: هل يجوزُ أن نقرأ نوتة موسيقية بأبجديات الحروف (أ-ب-ت-ث
A-B-C-D)؟! أم نقرأها بأبجديات اللون والفرشاة والخط والمساحة والنور والظلال؟ وهل يصحُّ قراءة لوحة تشكيلية بأبجديات (دو- ري –مي - فا- صول...)؟ وأخيرًا، هل يجوز أن نقرأ قطعة في مسرحية لشكسبير أو تشيكوڤ كما نقرأ جريدة يومية سيارة؟
هنا يتجلّى الفارقُ "الهائل" بين الخطاب الفني "الحُلمي" الفانتازيّ، وبين الخطاب الإيصالي التقريري اليومي. الأخير يصف "ما حدث" وما يمكن رؤيته بعين البصر، والأول يصف "ما لم يحدث" وغير قابل للرؤية إلا بعين الخيال. فلا يصحُّ أن نقرأ القطعة الأدبية، بمعزل عن "أدبيات" وفنون القراءة الأدبية. لا يجوز أن نعامل المجاز معاملة التقرير. فحين يقول القرآن الكريم، مثلا: “ونحن أقربُ إليه من حبل الوريد"، لن نمزّق أوردتنا وشراييننا ونفتّش داخل نُسغها ونحن نتوقع أن نرى الَله رأي العين. بل نفهم من تلك الآية أن الله قريبٌ ملءَ أرواحنا، مثلما هو ملء السموات والأرض. 
هنا نفهم، لماذا تجرّع سقراط السمَّ، ولماذا كاد جاليلو أن يُقتل، لولا أن كذب، ولماذا ارتعب ديكارت وخبأ كتابه "العالم" تحت السرير، ولم ير النور إلا بعد موته، ولماذا نُفي ابن رشد، ولماذا صُلب الحلاج، وأُحرق السهروردي ونُحر الجعد بن الدرهم. هنا ندرك لماذا دائمًا تمتلئ الصلبانُ والمقاصلُ والمشانق والسجونُ بالعلماء والشعراء والمفكرين والفلاسفة، على مرّ الزمان. الأجابة ببساطة: لأن الناس يقرأون أفكارَهم وأحلامَهم، بأبجديات خاطئة لا تناسب أبجديات: "الحلم”.

 فاطمة ناعوت - كاتبةٌ صحفية وشاعرة ومترجمة مصرية



الأحد، 2 نوفمبر 2014

حملة مكافحة الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين

التصنيف العالمي 2013: خيبات أمل واستقرار بعد الربيع

        بمناسبة “اليوم الدولي الأول لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين”، الذي يُحتفى به في 2 نوفمبر\تشرين الثاني 2014، تطلق مراسلون بلا حدود حملة دولية، باللغتين الإسبانية والفرنسية تحت عنوان #FightImpunity، بهدف الضغط على السلطات لمحاكمة المسؤولين عن الفظائع المقترفة ضد الإعلاميين.
       فعلى مدى العقد الأخير، قُتل نحو 800 صحفي أثناء تأدية مهامهم، علماً أن أكثر من 90٪ من الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين تمر مرور الكرام دون أي توضيح لملابساتها وحيثياتها، مما يترتب عنه إفلات الجناة من العقاب، وهو ما يشجعهم بالتالي على التمادي في تلك الانتهاكات الشنيعة.
من خلال عشر حالات مختلفة للجرائم التي يترتب عنها الإفلات من العقاب – التعذيب والاختفاء والاغتيال – تسلط حملتنا الضوء على تقصير النظم القضائية وأجهزة الشرطة في عملها. فمن بين الأمثلة التي تشير إليها منظمة مراسلون بلا حدود، تبرز حالة الصحفية المكسيكية ماريا إستير أغيلار كاسيمبي، التي اختفت في نوفمبر\تشرين الثاني 2009 – عن عمر يناهز 33 عاماً – بينما كانت تتقصى بعض القضايا الجنائية والبوليسية، وحالة الباكستاني سيد سليم شهزاد، الذي كان ينجز تحقيقاً حول الصلات التي تربط بين القاعدة والجيش قبل العثور عليه ميتاً في مايو\أيار 2011، بالإضافة إلى الصحفي الفرنسي-الكندي غي-أندريه كيفير، الذي تعرض للاختطاف عام 2004 أثناء تحقيقه في اختلاسات وصفقات مشبوهة في قطاع الكاكاو، علماً أن مصيره مازال مجهولاً حتى الآن. وفي جميع هذه الحالات، على غرار العديد من الحالات الأخرى، لوحظ انعدام تام أو قصور واضح في الإجراءات الرسمية التي من المفترض أن تساهم في إماطة اللثام عن الملابسات والحيثيات.
       وتُذاع الحملة عبر الموقع الإلكتروني http://fightimpunity.org/ والهاشتاغ #FightImpunity. ولأن الجرائم ضد الصحفيين قضية تهم الجميع، يتيح الموقع لزواره فرصة التعبير عن مواقفهم بصفة شخصية من خلال مخاطبة رؤساء الدول أو الحكومات المعنية، إما عن طريق البريد الإلكتروني أو بواسطة تغريدات. فمن خلال تطبيق تفاعلي، يمكن لعامة الناس توجيه رسائل مفصلة ومباشرة لمطالبة السلطات بإحقاق العدالة وتوخي الإنصاف.
يُذكر أن الجمعية العامة للأمم المتحدة اعتمدت 2 نوفمبر\تشرين الثاني من كل سنة ليكون “اليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين”، وذلك تكريماً للصحفيين السابقين لإذاعة فرنسا الدولية، غيسلين دوبون وكلود فيرلون، اللذين قُتلا في مالي بذلك التاريخ عام 2013. وكان القرار – الذي اعتمدته لجنة معنية بحقوق الإنسان – ثمرة لمبادرة دولية برعاية خمسين بلداً، من بينها فرنسا، حيث يتعين بموجبه على “الدول الأعضاء بذل قصارى جهدها لمنع العنف ضد الصحفيين والموظفين العاملين وسائل الإعلام”، مع حثها على التحقيق بشكل فوري في جميع الادعاءات المتعلقة بارتكاب هذا النوع من الانتهاكات وتقديم المسؤولين عنها إلى العدالة. 

السبت، 1 نوفمبر 2014

المدينة المقسّمة: 5 أمور لا تعرفونها عن القدس الشرقية


      أحداث العنف التي لا تتوقف في القدس بالأشهر الأخيرة، والتي أوصلت مستوى التوتر بين اليهود والعرب إلى ذروة جديدة، تثير مجددًا الجدل الأبدي: إلى أين تتّجه المدينة المقدّسة؟
       قبل 47 عاما، في ذروة نشوة إسرائيل وانتصارها في حرب 1967، هبط قرار هناك شكوك أن يتمّ قبوله اليوم بهدوء: ضمّ أراضي المدينة التي كانت تحت السيادة الأردنية، وعدد من القرى في المنطقة معها. وهكذا، بين عشية وضحاها، ولدت خريطة القدس الموحّدة. تحوّلت من 6 كيلومتر مربّع إلى مدينة مساحتها 70 كيلومترا مربّعا، تقريبًا 11 ضعفًا. أثارت أحداث العنف المستمرّة في العاصمة مجدّدا السؤال حول مستقبل القدس ووحدتها.
انتشرت في الوعي الإسرائيلي قداسة جبل الهيكل وحائط المبكى، ولكن في الواقع، فمنذ عام 1967 يعيش آلاف الفلسطينيين تحت السيادة الإسرائيلية في وضع خاصّ لسكان دون مواطنة كاملة.
في واقع معقّد من تعدّد القوميات ومشبع بالعلاقات الدينية، من الصعب جدا أن نرسم سيناريو مدينة موحّدة، يشعر فيها كلّ مواطن - عربيّا أو يهوديّا أو غير ذلك - بأنّه ينتمي لنفس المدينة. في الوعي الإسرائيلي والفلسطيني فإنّ القدس هي حقّا مدينة واحدة. في الواقع هناك في المدينة مدينتان فرعيتان: من جهة القدس الغربية (وفيها غالبية يهودية واضحة) ومن الجهة الأخرى القدس الشرقية (وفيها غالبية فلسطينية واضحة).
ومن أجل فهم التعقيدات في القدس الشرقية، جمعنا عددا من الأمور المثيرة للاهتمام حول الجزء الشرقي من المدينة المقدّسة.
1. يبلغ تعداد سكان القدس الشرقية أكثر بقليل من ثلث سكان المدينة، وفقا لدائرة الإحصاء المركزية، من بين 815300 مواطن، فإنّ 301100 هم من الفلسطينيين (37%). 75.3% من سكان القدس الشرقية، وأكثر من 82% من الأطفال هناك يعيشون وفق التعريف تحت خطّ الفقر. 53% فقط من التلاميذ الفلسطينيين يدرسون في المدارس البلدية (بيانات رسمية لدائرة الإحصاء المركزية) الرسمية. هناك نقص كبير في الصفوف الدراسية ويزدحم الكثير من الأطفال في شقق صغيرة تمّ تحويلها إلى صفوف دراسية. 36% من التلاميذ لا ينهون 12 سنة تعليمية.
2. وترسم بلدية القدس، المسؤولة عن رفاهية وأمن المواطنين الفلسطينيين في القدس الشرقية، صورة مختلفة. مؤخرا فقط ادعى رئيس بلدية القدس الحالي، نير بركات، أنّه تمّ اتخاذ قرار (في نهاية حزيران 2014) باستثمار 3 مليون شاقل (نحو 850 ألف دولار) في أحياء القدس الشرقية في إطار برنامج تنمية اقتصادية - اجتماعية، وذلك في أعقاب ارتفاع حوادث العنف الأخيرة في القدس الشرقية. خُصّص البرنامج الاقتصادي لتقليص الفجوات في مجالات البنية التحتية المتهالكة، العمل، التعليم والرعاية الاجتماعية.
3. والمشكلة الرئيسية التي تُثار مؤخرا وتؤجّج شرارة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني هي موضوع شراء الشقق السكنية وقطع الأراضي من قبل الإسرائيليين أو الجمعيات اليهودية في الأحياء العربية الفلسطينية مثل حيّ سلوان، راس العمود أو جبل المكبر. وفقا للمعطيات التي تنشرها جهات يسارية إسرائيلية مثل: "حركة السلام الآن"، فإنّ نحو 2000 مستوطن يقيمون في منازل متفرّقة في أحياء فلسطينية. وكشف تحقيق قامت به الحركة بأنّ حكومة إسرائيل تقوم بدفع ثمن الحراسة الخاصة لجميع أسر المستوطنين في القدس الشرقية بتكلفة تبلغ أكثر من 70 مليون شاقل في العام لجميع الأسر. وتتفاقم المشكلة لأنّ جزءًا من العقارات التي سيطر عليها المستوطنون هي تطبيق لقانون العودة (وهو قانون يمنح كلّ يهودي يعبّر عن رغبته بالإقامة في إسرائيل الحقّ في الهجرة إلى إسرائيل والحصول على مواطنة، وقد صدر هذا القانون عام 1950) على منازل كانت مملوكة ليهود قبل عام 1948. وقد تلقّى أصحاب العقار الأصليون تعويضات من الدولة مع قيام الدولة فورا. وبحسب تصريحات منظّمات اليسار، فإنّ هؤلاء المستوطنين يعرّضون إسرائيل للخطر ويفتحون بابا قانونيّا لتطبيق حقّ العودة الفلسطيني، والذي لا ترغب إسرائيل رسميّا بالاعتراف به.
4. ولأنّ معظم المواقع التاريخية ذات الطابع الديني مركّزة في القدس الشرقية مثل: جبل الهيكل والمسجد الأقصى، حائط المبكى وكنيسة القيامة؛ تحظى الأحياء الفلسطينية حول الأماكن المقدّسة بتطوير مشاريع اقتصادية سياحية كبيرة. خلال العام كلّه يصل إلى القدس الشرقية وإلى الأحياء المسيحية واليهودية والإسلامية مئات الآلاف من السيّاح الذين يساهمون في سبل العيش المحلية القائمة على تقديم الخدمات لكثير من السياح الذين يزدحمون في الأحياء الفلسطينية: المطاعم، محلات بيع التذكارات، الأقمشة، المقاهي، الفنادق وبيوت الضيافة والمرشدين السياحيين. تُلاحظ حركة ضئيلة من السياح في أزقة البلدة القديمة في القدس في كلّ مرة يتطوّر نزاع عنيف بين سكان المكان والأحياء الفلسطينية التي تحيط بالمدينة، وبين قوى الأمن الإسرائيلية. تؤدي هذه الأوضاع إلى انخفاض حادّ في عائدات السياحة وضربة قاسية لأماكن العمل والاقتصاد في القدس الشرقية.
5. التطرّف والتشدّد: العنف المتصاعد في القدس لم ينشأ في فراغ. تفهم المنظومة السياسية والاجتماعية في إسرائيل جيّدا أنّ الفلسطينيين من سكان القدس الشرقية يعانون عقود من الإهمال والدليل على ذلك هو البيانات الديموغرافية - الاجتماعية الصعبة. في الوقت نفسه، فإنّ تجاوز التحدّي من قبل دوائر إسلامية متطرّفة، تحرّكها جمعيات خيرية وشيوخ يقودون الرأي العام نحو الكراهية والازدراء الذي يجب الشعور به تجاه كلّ ما هو آخر، ليس إسلاميّا ويهودي بشكل رئيسي.. هذا يكثّف من نار العنف والكراهية بين شباب المدينة ويخرج بعضهم للتظاهر ولتعكير صفو السلام والأمن في تلك الأحياء. أيضا التحدّي المتزايد لدى أعضاء كنيست يهود ودوائر يهودية متطرّفة تجاه المسجد الأقصى وسيطرة المستوطنين على المنازل الفلسطينية في أحياء مثل سلوان، فهذا أيضا يشكّل أثرا ملموسًا على حياة الفلسطينيين في المدينة. وقد تحدّث مؤخرا العديد من قادة الرأي العام الفلسطينيين في الإعلام الفلسطيني حول العنف المتصاعد في القدس، وقالوا إنّ شعارات مثل "الأقصى في خطر"، والتي تُطلق في المساجد في كثير من الأحيان؛ ليست فارغة من مضمونها وخصوصا على ضوء الشعور أنّ العالم العربي منشغل بقضاياه ولا يعزو أهمية كبيرة للدفاع عن المساجد أو سائر الأماكن المقدّسة لدى الفلسطينيين في القدس.